الصفحات

23.4.14

هذا هو رقم واحد في إسطنبول

قبل أسبوعين، كنت في زيارة إلى إسطنبول مع زوجتي. قبل موعد العودة بيوم، ذهبنا لزيارة حديقة جولهاني (أو بيت الورد كما تعني بالتركية) و كانت قد نصحتنا بزيارتها الدليلة السياحية. الحديقة كانت اسم على مسمى. كانت فعلا بيت الورد. على خلاف حدائق عمّان، التي تكون عادة مجرد قطعة أرض صغيرة رُكّب فيها مرجوحتين و (سيسو)، كانت هذه الحديقة معدّة جيدا و كأن مختصا بتصميم الحدائق قد أشرف عليها. ورود الزنبق بألوان مختلفة موزعة بعناية. النوافير و الأشجار القديمة و الأرصفة المرتّبة و الألوان الزاهية كلها أمور تجعلك تشعر بأنك في قطعة من الجنة. عموما، من خلال استطلاعي لاحقا عن الحديقة فهمت أنها كانت موجودة حتى منذ العهد العثماني و لكن يتم تحديثها من وقت لآخر.

بينما كنّا نجلس على أحد المقاعد المتوفرة بكثرة، لاحظنا عن بعد بعض الأشخاص الذين يحملون معدات تصوير متطورة و يقومون بإعداد أحد أركان الحديقة للتصوير. في البداية ظننا أن عروسين قد اختارا هذه الحديقة لالتقاط بعض الصور التذكارية كما كنّا قد شاهدنا في جزيرة الأميرات القريبة من اسطنبول. و لكن ما لبثنا أن غيّرنا رأينا، فرغم أن العريس يبدو متأنقا ببدلته، إلا أن العروس لا ترتدي فستان العرس و لا حتى الخطبة. قلنا ربما يكون طاقم أحد السلسلات التركية يصور مسلسلا جديدا.

 ثم انتبهنا أن هنالك شخصين أو ثلاثة يرتدون بدلات سوداء داكنة و يقفون على مسافة من طاقم التصوير. كانوا يبدون مثل حراس شخصيين. توجهت إلى أحد الحراس الشخصيين مترددا (فعادة يكون الحراس الشخصييون من جماعة نفّذ ثم فكّر). كنت أريد أن أستفسر. لم يكن يعرف الإنجليزية، و لكنه أجابني بلطف ببضاعته المحدودة من الكلمات الإنجليزية "في إسطنبول، هذا هو رقم واحد" و أشار إلى الرجل الذي هو محور التصوير، ففهمت أن هذا هو رئيس بلدية إسطنبول. تقدمت من إحدى العاملات في طاقم التصوير و كان يبدو أنها المشرفة (أو المخرجة ربما) و سألتها إن كان بإمكاني التقاط صورة مع رئيس البلدية، فأكدت موافقتها مبتسمة و فرحة (ربما لأن سائحا يرغب بأخذ صورة مع رئيس مدينتها). لم أكن الوحيد الذي أخذ صورة مع رئيس البلدية. بل تقدم مواطنون آخرون و ربما أيضا سياح مثلي.

بصراحة، أنظر بعين الإعجاب إلى أي شخص يمثل بلدية هذه المدينة، سواء من السابقين أو من المنتخبين حديثا كحال هذا الرجل. فالمسؤولون عن هذه المدينة لا يحتاجون للشرح الطويل عن إنجازاتهم؛ فمدينتهم تتحدث عن إنجازاتهم بنفسها. شوارع نظيفة معبدة بشكل جيد. أرصفة للمشاة أوسع من الشوارع نفسها. وسائل مواصلات متعددة و يمكن الاعتماد عليها من القطار المعلّق (الترام) إلى الباص إلى القوارب التي تنقل الناس بين ضفتي المدينة. حدائق و ساحات مشجّرة في كل مكان و ورود على حواف الطرق. اهتمام بالأمكان الأثرية. متاحف كثيرة و متنوعة. مظاهر التخلف (كالبسطات مثلا) محدودة. المتجول في شوارع إسطنبول لا يشعر بالملل، فالجمال في كل مكان. من الواضح أن القائمين على هذه المدينة يستمعون جيدا لاحتياجات ساكنيها و زوارها.

و لكن يبقى في بالي صورة رئيس البلدية و هو يصور هذا الفيديو الذي سوف يُبث للإسطنبوليين، و كيف أن مظاهر الحراسة كانت بسيطة و شبه معدومة إذا ما قورنت بالحراسة التي يحظى بها المسؤولون في الأردن. حتى أن هذه الحديقة يمكن أن يدخلها من يشاء و لا يوجد حراسة أو تفتيش على البوابة. ربما يكون حجم الإنجازات يتناسب عكسيا مع حجم الحراسة. على أية حال، قال لي رجل أردني كبير في السن قابلته هناك بأن هذه هي زيارته الثانية للمدينة، و كانت الأولى في الثمانينات. عندئذٍ، كانت إسطنبول تبدو كمدينة عادية، مثلها كمثل عمان أو إربد أو غيرها.
صورتي مع رئيس بلدية إسطنبول
صورتي مع رئيس بلدية إسطنبول

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...