الصفحات

29.11.12

المعادلة الصعبة

هنالك أستاذة جامعية محترمة تدرّس في الجامعة الأردنية و اسمها "رولا قواس". قامت، مشكورةً، بالإشراف على إعداد فيديو عن التحرش الجنسي في الجامعة بعنوان "هذه خصوصيتي". الفيديو من تصوير طالبات يدرسن مادة "النظرة النسوية" في صفها. الطالبات أعددن هذا الفيديو كمشروع للمادة و لكنه تسرّب لاحقا و نُشر على اليوتيوب.

حتى الآن يبدو الخبر جميل، بل فهو يبعث بالتفاؤل بعض الشيء. فكلنا نعرف مدى تفشي ظاهرة التحرش الجنسي في مجتمعنا و في جامعاتنا. و هو وصل إلى مستوى الظاهرة و لا يمكن أن نصفه بأنه تجاوزات فردية. خصوصا إذا تذكرنا بأن الفعل الذي يوصف بأنه تحرش جنسي ليس ضروريا أن يصل لمرحلة الاغتصاب بل يكفي أن تكون باللمس أو كلمات جارحة أو حتى النظر بطريقة مزعجة.

أي شخص يعيش في الأردن -و أعتقد أيضا أن الظاهرة منتشرة أيضا في مجتمعات عربية أخرى- يعرف تماما عن المشكلة و لا يستطيع أن ينكر وجودها. الكثيرون يعانون من هذا الأمر. سواء الفتيات اللواتي يتعرضن للتحرش أو أقاربهم من الرجال الذين يتضايقون لتضايقهن.

في مثل هذه الحالة، و عندما تقوم أستاذة بتشجيع الطالبات على دراسة الموضوع بطريقة مبتكرة، و في ظل نظام أكاديمي تسود أغلبه الوسائل التقليدية للتعلم، فليس بوسعنا إلا أن نقدم لهذه الأستاذة الشكر و التقدير و المكافأة على جهدها. و مجرد أن يتأخر المسؤولون في الجامعة عن شكرها و مكافأتها يعدّ تقصيرا في نظري.

الغريب في الموضوع أن رئيس الجامعة "خليف الطراونة"، و بدلا من أن يقدم لها الشكر، قام بتسريحها من العمل. باالطبع هو ينكر أن سبب تسريحه لها يعود لهذا الفيلم، و لكن الاأمر لا يخفى على أي أحد يتابع الموضوع أو يحضر مقابلة له كتلك التي أجراها على قناة ال إم بي سي.

رئيس الجامعة ليس وحده من اعترض على الأمر. كثيرون آخرون اعترضوا على فضح هذه المشكلة. منهم من اعتبر بأن المشكلة لا تصل لمستوى الظاهرة. و منهم من اعتبر أن الفيديو يستخدم ألفاظا لا تليق بالمجتمع، علما بأن الفيديو لم يستخدم إلا العبارات التي يرددها الشبان على مسامع الفتيات و لم يختلق عبارات جديدة. و لكن يبدو أننا -و بشكل نابع من ثقافتنا- نشعر أنه عندما لا نتحدث عن مشكلة ما فإن هذا يعني أن المشكلة ليست موجودة. تماما مثلما نتجب الحديث عن مرض السرطان، و نسميه "هذاك المرض". أو عندما نقول لشخص ما "لا تفاول ع حالك".

هنا بالضبط تكمن المعادلة الصعبة بالنسبة لي. لا أقدر أن أفهم كيف لمجتمع محافظ مثل المجتمع الأردني ألاّ يقدّر مبادرة كهذه. في هذا المجتمع نتضايق جميعا من هذا الأمر و في نفس الوقت نحارب أي مبادرات تتصدى له! إضافة إلى غياب القوانين الرادعة. المعادلة الطبيعية بالنسبة لي هي: مجتمع محافظ + تفشي هذه الظاهرة = محاربة الظاهرة إعلاميا + فرض قوانين صارمة. أما ما يحدث الآن فهو أمر عجيب لا يخضع لقوانين المنطق.

 برأيي، يجب أن تكون هنالك قوانين صارمة و جهات تشرف على تطبيق هذه القوانين. لا يجدر بنا أن ننتظر الفتيات حتى يشتكين أو يرفعن دعوى. الفتاة بطبعها حساسة و ربما سيكون تقديم الشكوى أكثر حساسية من التحرش ذاته.

27.11.12

الثامنة

داود الشريان؛ مقدم برنامج الثامنة على قناة ال إم بي سي
داود الشريان؛ مقدم برنامج الثامنة على قناة ال إم بي سي
يمكن لي أن أستوعب الفكرة التي تحاول قناة ال إم بي سي تسويقها عن نفسها بأنها قناة عربية و لكل العرب برغم اصطباغ القناة بصبغة خليجية أو سعودية على وجه الخصوص. و ذلك ظاهر من خلال نسبة المسلسلات الخليجية التي تعرض بالمقارنة مع المسلسلات العربية الأخرى، آخذين بعين الاعتبار تفاوت الكم الانتاجي بين دول عربية مثل مصر و سوريا بما تنتجه السعودية و باقي دول الخليج. و ذلك ظاهر أيضا من خلال الإعلانات و طريقة تقديمها و الملابس التي يرتديها الذين يقومون بالأدوار في هذه الإعلانات.

و لكني رغم ذلك أبقى أستوعب فكرة أنها قناة لكل العرب فدول الخليج هي أيضا دول عربية و لا بأس ان طغت ثقافتها بعض الشيء على القناة كونها قناة سعودية في نهاية الأمر.

و يمكنني أن أبقى مستوعبا للفكرة ذاتها رغم وجود برنامج يعرض بشكل يومي يتناول فيه المقدم (داود الشريان) مواضيع تخص السعودية من دون الدول العربية. و يتحدث في هذا البرنامج عن أمور تهم السعوديين وحدهم و هي ليست مشاكل تواجه العرب عامة. و لكني سأبقى مصدقا لما تدعيه القناة عن أنها قناة لكل العرب، باعتبار أن تسليط الضوء على السعودية دون سواها يرجع إلى كونها بلدا مهما في المنطقة و لابد أن المشاهدين في جميع أنحاء العالم العربي سوف يهتمون بمعرفة قضاياه.

و لكن الكفر البواح، في نظري، و ما يجعلني أرجع عن كل تفهمي لما أوردته سابقا، هو أن يتحدث المقدم في هذا البرنامج عن العرب غير السعوديين و كأنهم قادمين من كوكب آخر. و كأنه لا يعنيه أمرهم أبدا. أو ربما يعنيه أمرهم بعض الشيء و لكنهم في النهاية يقعون تحت تصنيف "الآخر".

الأمر لا يتعلق فقط في هذا البرنامج، و لا حتى في هذه القناة وحدها. فلو أخذنا قناة الجزيرة مثلا، فيمكن للمتابع أن يلاحظ أن هذه القناة تتوقف عن تقديم برامجها على أنها قناة إخبارية تهتم بالشأن العربي، و تتحول فجأة إلى ما هو أشبه ما يكون إلى "قناة قطرية ثانية" تصب جل اهتمامها على ما يجري في قطر و على الآراء السياسية التي تتبناها قطر. و لو أن شخصا من خارج الوطن العربي تابع قناة الجزيرة لظنّ أن سكان قطر يشكلون نسبة لا تقل عن الثلث أو الربع من العرب. و لاستغرب أشد الاستغراب عندما يكتشف أنهم لا يتجاوزون النصف مليون.

لا أعرف ما هو الهدف من كتابتي لهذه التدوينة. ربما هي فقط محاولة للفضفضة أو مشاركة الآراء. ربما هو شعور بحجم الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام في قلب الحقائق و تغيير مسار الأحداث في منطقتنا. ربما و ربما و ربما... ربما لأني (و كثيرون ممن أعرفهم) نشمئز من هذا البرنامج و أسلوب مقدمه.
Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...